الدكتور محمد أبو حجيلة* يكتب: التوجه نحو دراسة تخصصات الإدراة السياحية في ظل كورونا: جامعة الشرق الأوسط انموذجاً

/ / أخبار الجامعة

يتساءل البعض، بين الفينة والأخرى، عن جدوى دراسة التخصصات ذات العلاقة بالسياحة والاثار كذلك، في ظل واقع مقلق، يفرض نفسه على شكل أزمة، لم يسبق للقطاع السياحي أن شهد مثيلاً لها، وهذه تساؤلات مشروعة، وتبحث عن إجابات، وخصوصاً لطلبتنا المقبلين على تحديد التخصص الذي سيحدد تفاصيل القادم من أيامهم.

بدايةً أقول، ان الشئ المطمئن بشكل عام لمُمْتهني السياحة كمصدرٍ للدخل، هو ان العرف السائد في القطاع هو ان السياحة تمرض ولا تموت، وهذا الشئ يعرفه جيداً العاملين في هذا القطاع بحكم الخبرة، بعد ان توالت الأزمات تباعاً على هذا القطاع، منذ الحرب العراقية، ومروراً بأزمة برجي التجارة العالمية، وليس انتهاءاً بالربيع العربي الذي شل القطاع السياحي على مستوى الإقليم منذ العام 2010 وحتى مشارف العام 2017، لتبدأ بعدها حركة سياحية قوية تمخض عنها وصول البتراء في العام 2019 للسائح رقم مليون، لأول مرة في تاريخها.

يعرف الممارس لأي من المهن السياحية الخمس، والتي يضاف اليها المهنة السادسة التي لا تتبع اداريا لوزراة السياحة، وهي مهنة النقل السياحي المتخصص؛ يعرف هؤلاء جيدا ان السياحة مرتبطةً جدا بالمحيط الجيوسياسي والبيئي على مستوى الإقليم والعالم، ويعلمون ايضا أن هذا المحيط له بصماته الواضحة على قطاع السياحة محلياً واقليمياً ودولياً، وما يشهده العالم اليوم في ظل ازمة كورونا، ما هو الا دليل عملي على عمق هذا الأثر ومدى ارتباطه بالقطاع السياحي سواء سلباً ام إيجاباً.

الملفت دوما للانتباه، أنه وبعد كل ازمة ذات تأثير سلبي على هذا القطاع، سرعان ما يستأنف هذا القطاع نشاطه، لتبدأ بعده دروة حياة جديدة، تحتاج فكرا جديدا، ودماءاً جديدة ايضا، وفي كل دورة حياة جديدة، كانت تبرز مشكلة الحاجة لأيدي مدربة، قادرة على استيعاب زخم الوفود السياحية، التي تأتي للمملكة، حيث تعتبر المملكة من الوجهات السياحية المفضلة عند الكثير من الجنسيات المستهدفة، وعند السائح الاوروبي بشكل خاص. هذا الزخم السياحي، ظهر جليا في العام 2008 و2009 و2010، ليعاود الظهور بشكل ملفت للانتباه، في العام 2017 و2018، و كانت الذروة في العام 2019، حيث ظهرت الحاجة حينها لأعداد كبيرة من الأيدي العاملة المدربة، وفي مختلف القطاعات السياحية الخدمية، وفي الحاجة الماسة أيضا، للبنى التحتية، من أماكن الإيواء، وموارد بشرية مدربة، وخدمات النقل السياحي المتخصص، وخصوصا ذاك الشق المتخصص بالحافلات الكبيرة.

لذلك, وبناءاً على ما سبق تفصيله، تأتي هنا الإجابة على السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال، وهو جدوى التوجه نحو دراسة التخصصات ذات العلاقة بالقطاع السياحي، سواء ذلك الجزء المتعلق بالخدمات السياحية، او المهارات الفندقية، او ما له علاقه بعلوم الآثار؛ حيث تعتبر المواقع الأثرية جزءاً مهماً من المنتج السياحي الثقافي للمملكة. ما سبق توضيحه، يمكن إجماله بالقول، ان الأزمات السياحية علمتنا ان نكون دوما جاهزين بعد كل فترة مرض سياحي، لأن مسار الأحداث في كل مرة، أثبت الحاجة الماسة لأيدي مدربة، ذات كفاءة، عند انتهاء الازمة، وهو الشئ الذي يملي على أصحاب المنشآت السياحية بمختلف أنواعها، المحافظة على ما تبقى من عمالة مدربة، بل واستغلال الفترة الحالية للارتقاء بأداء هذه الفئة بدل التخلص منها، حتى تكون جاهزة عند عودة الحركة السياحة في القريب العاجل ان شاء الله، وبعد زوال هذه الغمة شديدة القتام.

التوجه نحو دراسة التخصصات السياحية، يبقى ضرورة بالغة بالرغم من ان الواقع الحالي في ظل كورونا له معطيات أخرى، ولكن يبقى القطاع السياحي مصدراً مهماً للوظائف والعملات الصعبة، ويبقى العمل في القطاع السياحي، بمختلف فئاته عملاً له الكثير من الإيجابيات، التي يعلمها من اتخذ من السياحة مهنة رئيسة له. الإستعداد لما بعد كورونا أولوية، والاستعداد يحتاج جيلاً يحمل فكراً يختلف عن فترة ما قبل كورونا، لأن التنافسية في استقطاب السائح ستكون عالية، والتنافسية باستقطاب الأيدي المدربة ستكون أعلى كذلك، وهو ما يُحتم على المقبلين على إختيار التخصص في هذا المرحلة من التفكير جدياً بدراسة تخصصات الإدارة السياحية بكل أنواعها دون تردد.

جامعة الشرق الأوسط، وفي خطوة استباقية ريادية، تبنت خيار التنويع في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، ولتحقيق هذا الهدف، فقد تميزت بتبنيها قسماً خاصا للإدارة السياحية ضمن كلية الأعمال التي تسعى دوماً للعالمية. هذا التخصص بدأ نشاطه كرافد للقطاع السياحي في المملكة منذ العام الجامعي 2008/2009، وهو تخصص تم تبنيه في خطوة تعزز مفهوم الرؤية العميقة لإدارة الجامعة في تبني تخصصات ذات قيمة علمية واجتماعية على حدٍ سواء. التركيز على تدريس تخصص الإدارة السياحية في جامعة الشرق الأوسط، ما هو إلا دليلا عملياً على إدراك هذه الجامعة لأهمية السياحة لأقتصاد المملكة، وإدراكاً منها لأهمية هذه القطاع الذي ركز عليه جلالة الملك عبدالله الثاني في عدة أوراق نقاشية.

 

*الدكتور محمد أبو حجيلة – عضو هيئة التدريس في قسم الإدارة السياحية / كلية الأعمال